يا أبيض … يا أسود (كيف تحمى مؤسستك من خداع الموظفين  “الجزء الأول” )

يا أبيض … يا أسود (كيف تحمى مؤسستك من خداع الموظفين “الجزء الأول” )

كتبت فى 17. نوفمبر, 2008 كتبها د.أحمد سيد فى تصنيف أسرار الإدارة

كان القاضى جالسا على المنصة يراقب “تاكر” وهو يعرج فى مشيته عبر ساحة المحكمه فسمح لحاجب المحكمه أن يساعده حتى يستطيع الوصول لمنصة الشهود ويجلسه عليها حيث يبدأ بسرد قصته وكان “تاكر” قد نجح منذ سنوات فى عمله فى مجال الاستثمارات المصرفيه الذى كان يدر عليه ستين ألف دولار سنويا وكان فى أوقات فراغه يشارك فى مسابقات المارثون حيث كان دائما يتصدر مسابقات الهواه سواء فى الولايات المتحده أو خارجها

وفى أحد الأيام وبينما كان “تاكر” مسرعا لتناول وجبه غذاء سريعه مر على موقع لانشاء مترو أنفاق حيث كان العمال يفرغون حموله شاحنة كبيرة من أسياخ حديد البناء وكانت الشاحنة تقف بعرض الشارع فهرع العمال لافراغ الشاحنة تجنبا للتكدس الذى أحدثته وفى خضم تعجل العمال عجزوا عن السيطرة على الحموله فاندفع سيخ حديدى منفلتا من السياره أصاب “تاكر” فى مؤخرة رأسه ثم واصل السيخ اندفاعه فحطم سقف سيارة مجاورة وسقط “تاكر” مغشيا عليه ثم أفاق بعد ذلك بساعات ليجد نفسه فى مستشفى مصابا بارتجاج فى المخ وكسر فى ظهره لكنه لم يصب فى عموده الفقرى

كانت كلمات “تاكر” بطيئة وكان يصف اصابته حيث كان مجرد رفعه لذراعه تسبب له الآما مبرحه فى ظهره وكيف أن الارتجاج فى المخ قد أفقده القدرة على التفكير السريع الدقيق وهى المهارات الضروريه لأداء عمله مما أدى فى النهاية إلى فقدان عمله وبالطبع فقد قدرته كذلك على المنافسه فى مضمار مسابقات المارثون للأبد

واعتلى بعد ذلك أطباؤه المعالجون ليتحدثوا عن حالته ويعرضوا صورا للأشعه على المخ تبين مدى تأثير الضربه على فصوص المخ وأجمع الأطباء على انه ليس هناك أمل فى أن يعود “تاكر” إلى أيه درجه من درجات أسلوب الحياة الطبيعية ناهيك عن قدرته على العمل مرة أخرى

لقد شعر الجميع بالأسى على “تاكر” حتى أن القاضى كان يفكر فى تعويضه وكان ما يشغل القاضى هو هل يقرر له مبلغ ستين ألف دولار سنويا لمدة خمسه عشر عاما أم يقرر له مبلغا بمقدار تسعه ملايين دولار على سبيل التعويض

وجاء دور شاهد النفى ولم يكن معه إلا شريط فيديو تم تجهيز جهاز فيديو و شاشه عرض تليفزيونيه لعرض الشريط الذى أعده شاهد النفى بعد حدوث الحادثة بعام ولم يكن “تاكر” ولا محاميه على علم بهذا الشريط لقد كان الشريط يعرض “تاكر” وهو يقوم بكل الحركات الرياضية من ممارسة لتمارين الاطاله والانثناء والالتواء والقفز برشاقة دون أدنى تردد أو أثر للألم على وجهه وكان يقوم بذلك ليلا حيث كان يعتقد أن أحدا لا يستطيع رؤيته ولم يضع فى حسبانه وجود عدسات التصوير الليلى التى كانت بيد المحقق الخاص

مفاجأه مذهله لقد كان “تاكر” يتلاعب بأطبائه المعالجين وخدعهم حتى وصفوا له أدويه قوية وبكمية كبيره ليس لرغبته فى التخفيف من الألم بل لأنه يريد أن يحدث اصابة زائفه بالمخ من معلومات استقاها من صديقته الصيدلانيه والتى أوضحت له أن بعض الآثار الجانبية لبعض مسكنات الآلم تشابه مع أعراض الاصابه بالمخ ولم يكن أى من أطبائه على دراية بما يصف له الطبيب الآخر ” *

من المديرين من هو مصاب بعمى الألوان فكل ما يستطيع أن يتعرف عليه هو اللونين الأبيض والأسود ولا يمكنه أن يفرق بين الألوان الأخرى عند حله للمشكلات فينطلى عليه ثوب البراءه الذى يرتديه الموظفون وهم يحاولون تبرير ما فعلوه أو دفع التهمه عنهم وتحميلها لموظف برىء وتزداد المشكلة تعقيدا إذا كانت المشكلة بين موظف وموظف آخر يعلوه فى المسمى الوظيفى أو يرأسه فى العمل فدائما ما يتجه التأنيب والعقاب للموظف الأدنى فى المرتبة الوظيفية دون التحقق والتثبت

هناك من الموظفين من يجيدون التلون والمراوغه وتلفيق التهم والأكاذيب حتى يهربوا من العقاب و منهم من يتعمد صنع المشكلة ليشيع جوا من السلبية فى بيئة العمل ومنهم من يريد أن يتخلص من أحد زملائة فيدبر له مكيده … وسواء كان الأمر متعمدا أو غير متعمد فإن المذنب فى أغلب الأحيان لا يعترف بفعلته ويجيد التمثيل ليحول الاتهام عنه بل ويبدأ فى استعمال مهاراته لجلب الشفقه

ومهما كان حجم المشكلة فإن الحكم للطرف المذنب يصعب الأمور فإن الموظف البرىء سيشعر بالظلم الذى سيحمله على الانتقام بطرق وألاعيب تضر بالعمل … وكذلك سيعمق هذا الفجوة بين المدير وبين الموظفين كما أن المدير بقراره غير الحكيم يساعد فى ازدياد نفوذ هذا الموظف السيىء مما يتيح لذوى الضمائر الخربة أن يتمددوا ويتوسعوا فى تعدياتهم على زملائهم لينفرط عقد المؤسسة وتدخل فى مشكلات لاتنتهى .

ونظرا لأن البيئة الادارية فى كثير من الشركات تفتد الشفافية لذا يصعب وجود موظفين أمناء يستطيعون أن يساعدوك فى محاولة كشف الأسباب الحقيقة للمشكلة إما بدعوى أنهم يبعدون أنفسهم عن المشكلة خوفا من تعرضهم للايذاء من قبل الشخص السيء بتلفيق التهم لهم أو لأنهم اختبروك قبل ذلك فى مشكله وخيبت أمالهم فى الحل  .

لذا لابد أن يكون المدير ذا بصيرة ثاقبة يستطيع من خلالها أن يصل إلى حقيقة المشكلة وأن يتعرف على المذنب المتخفى فى صورة الحمل الوديع فمشكلات العمل لا تنتهى … والمشكلات بين الموظفين أو بين الموظفين والعملاء أمر متكرر والحل الحكيم يعيد الأمور إلى نصابها ويقطع الطريق أمام تطور المشكلة لتصبح أكبر وأكبر


فالمدير لابد أن يكون مأهلا ومدربا على اكتشاف الخداع والمراوغه ويجب عليه أن يضع من النظم والقوانين ما يقلل من فرصه حدوث مثل هذه الأمور

فى التدوينة القادمة إن شاء الله سأضع بعض الحلول التى تساعد المدير على تقليل  المشكلات وحماية نفسه ومؤسسته من خداع الموظفين
القصة ملخصة بتصرف من كتاب Why Didn’t I think of that ? Charles W. McCoy

شاركنا رأيك

UA-5528727-1